ما الذي يمكن للشركات القيام به لمواكبة المبادرات الحكومية الساعية لتحييد الكربون؟

banner-detail-carbon

ألقت جائحة “كوفيد-19” بتداعياتها على معظم أشهر العام الماضي، وجعلته عاماً غريباً يصعب نسيانه. إلا أنه هنالك جانب مشرق برز من بين أحداثه المأساوية، واستفادت منه البيئة في المقام الأول مع نجاحها بتحقيق بعض التعافي بعد تطبيق إجراءات الإغلاق الشامل وفرض قيود صارمة على الحركة.

وخير مثال على ذلك الصين، حيث أدّت عمليات الإغلاق وغيرها من قيود الحد من تفشي جائحة “كوفيد-19” إلى انخفاض انبعاثاتها الكربونية بنسبة 25% وانبعاثات أكاسيد النيتروجين بنسبة 50%.

ومع انتشار صور المدن الخالية من الملوثات الدخانية والحيوانات التي تجوب الشوارع في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في عام الجائحة، تنبه العالم إلى المخاطر المتصاعدة المحدقة بالبيئة التي نعيش فيها وتهدد سلامتها.

وبالنظر إلى الإجماع العالمي المتزايد على ضرورة معالجة أزمة التغيّر المناخي. تلتزم المزيد من الدول حول العالم باتخاذ إجراءات سريعة ووضع أهداف صارمة تحقق حيادية الكربون.

وفي منطقة الشرق الأوسطـ تعهدت الدول بتوحيد جهودها لحفز العمل المناخي وتمهيد طريق اتفاق باريس للمناخ نحو النجاح. وبالنسبة للحوارات الإقليمية في هذا الصدد، وجّهت أيضاً دول مجلس التعاون الخليجي دعوةً خلال “الحوار الإقليمي للتغيّر المناخي” لتعزيز ’المساهمات المحدَّدة وطنياً‘ وتنفيذ التزامات الانبعاثات الصفرية قبل حلول موعد الدورة السادسة والعشرين لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (COP26).

وتهدف مثلاً “استراتيجية الإمارات للطاقة 2050” إلى زيادة مساهمة الطاقة النظيفة في إجمالي مزيج الطاقة من 25% إلى 50% بحلول عام 2050 وتقليص البصمة الكربونية لعمليات توليد الطاقة بنسبة 70%. ومن جهة أخرى، تنسجم الاستراتيجية السعودية للطاقة المتجدّدة مع “رؤية السعودية 2030” لتقليل البصمة الكربونية للمملكة، وذلك من خلال توليد 27.3 جيجاواط من الكهرباء من مصادر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بحلول العام 2023 والوصول بذلك إلى 58.7 جيجاواط بحلول العام 2050. وفي الوقت نفسه، تسعى قطر من خلال “الرؤية الوطنية 2030” إلى ترسيخ الاستدامة في استراتيجيات التنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية في الدولة.

بالإضافة إلى ذلك، كشفت الحكومة السعودية عن خطط بناء مدينة “ذا لاين” بطول 100 ميل بدون سيارات وشوارع ضمن مشروع “نيوم” وتعمل بالطاقة المتجدّدة بنسبة 100%. كما قام “صندوق الاستثمارات العامة” في المملكة بإنشاء الشركة الوطنية لخدمات كفاءة الطاقة “ترشيد” بهدف تسريع بناء مجتمع سعودي أكثر كفاءة في استخدام الطاقة، إلى جانب اعتلاء هرم الريادة في ميادين كفاءة الطاقة سعياً إلى استشراف مستقبل أكثر استدامة.

وحرص “إكسبو 2020 دبي” على إدخال التقنيات المستدامة في مرحلة التخطيط، ما يكفل جعله الحدث الأكثر استدامة في العالم على الإطلاق. وتنسجم هذه الخطى مع “خطة دبي 2021″ و”رؤية الإمارات 2021” وأجندة الأمم المتحدة 2030 للتنمية المستدامة. وفي نهاية المطاف، سيترك إكسبو أثراً طويلاً بعد اختتام فعالياته، مُلهماً ملايين الزوّار والمتابعين وتاركاً إرثاً رائداً على مستوى البنية التحتية المستدامة وممارسات الاستدامة السباقة.

يبدو جلياً مما سبق، أن المنطقة جادة بالتزامها بتحويل التحديات المناخية إلى فرص اقتصادية. إلا أن السعي نحو عالم خالٍ من الكربون يتطلّب من مجتمع الأعمال إعادة تقييم خطط المشاريع طويلة الأجل والعمل معاً على تنفيذ أهداف الاستدامة التي تضعها الحكومات الوطنية.

لذلك يتعين توجيه أسلوب العمل الجديد نحو أهداف تحقيق استدامة المناخ. ومع هذا التحول التدريجي في منهجية العمل، تتغير طبيعة الفرص أيضاً وتبرز منها القدرة على تطوير مسارات جديدة لمزاولة الأعمال. وسيصبح التعاون مع العملاء لتحقيق أهدافهم الكربونية الآن قائماً على فلسفة مختلفة وجديدة، وتبتعد كل البعد عن خطأ شائع يتمثل في التركيز على تكلفة الاستدامة دون الانتباه للقيمة التي تخلقها على مختلف المستويات.

إن تغيير عقليات العمل سيكون عنصراً على درجة كبيرة من الأهمية لدفع التقنيات والحلول المستدامة نحو النجاح، فقد تكون تكلفتها الإجمالية أكبر ممّا تستلزمه الطرق التقليدية، لكنّ صلب الموضوع هنا يكمن في فهم القيمة الحقيقية التي توفّرها هذه التقنيات والحلول. وعلى سبيل المثال، تكون التكلفة الأوّلية للاستثمار في تقنيات كفاءة الطاقة أقل إذا ما نظرنا لها من الزاوية الصحية، وهي الوفورات الكبيرة وطويلة الأجل التي تحققها ودورها في الوصول إلى حيادية الكربون. وعلاوة على ذلك، تحرص شركات خدمات الطاقة على تقديم برامج تمويل تنسجم مع أهداف أعمال الشركات. ومن هنا الضبط يبرز الفارق الكبير، فبعض الشركات مثل “إنجي سوليوشنز” قادرة على تطوير وتمويل المشاريع التي تدعم الأصول والتقنيات والحلول الرقمية ذات الكفاءة في استهلاك الطاقة لتحقيق تلك الأهداف.

وتستخدم “إنجي سوليوشنز” تقنية المباني الذكية التي تجمع بين الذكاء الاصطناعي وتقنيات التعلّم الآلي بهدف تقييم وفورات الطاقة والكفاءة التشغيلية بشكل آلي مستمر، علاوة على ضمان كفاءة أداء الأصول. وبالإضافة إلى ذلك، تقدّم الشركة “الطاقة كخدمة” لتوفر حلولاً مخصّصة ومضمونة لكفاءة الطاقة بهدف ترشيد استهلاك العملاء. وتحرص “إنجي سوليوشنز”على تقديم خدماتها عبر عقود قائمة على الأداء وتتكيف مع احتياجات العملاء والقطاعات الصناعية والمرافق الحيوية.

ومن الاعتقادات الشائعة أيضاً هو أن مسؤولية متابعة استراتيجيات حيادية الكربون ملقاة على عاتق المؤسسات الكبرى فقط. ولكن، ونظراً لأنّ الشركات الصغيرة والمتوسّطة تشكل نحو 90% من إجمالي عدد الشركات في دول مجلس التعاون الخليجي، هنالك حاجة متزايدة للتأكيد على دورها في التصدي لتحديات التغيّر المناخي. كما أنّ الاستراتيجيات البسيطة – مثل تركيب عدّادات ذكية أو إجراء تدقيق بسيط للطاقة لتجنّب الاستهلاك غير الضروري – ستمكننا من المضي قدماً في مساعدة الدول على تحقيق أهدافها المنوطة بالاستدامة. والميزة الإضافية هنا هي أنّ الشركات الصغيرة والمتوسّطة التي تعاني من ضائقة مالية قادرة على تحقيق وفورات مالية على المدى الطويل إذا ما تبنت تلك الإجراءات البسيطة.

في الختام، تقع على عاتقنا كقادة للأعمال في منطقة الشرق الأوسط، مسؤولية استشراف مستقبل الأجيال القادمة. ومن هذا المنطلق، حان الدور على الشركات لتحقيق التغيير المنشود من خلال تحسين العمليات الداخلية ومواءمة أعمالها مع مبادرات الاستدامة العالمية. ويتعين علينا التعامل مع حلول الطاقة ومصادرها المتجدّدة بعقلية شاملة والاستثمار في حلول طويلة الأجل لضمان تشغيل المدن والمجتمعات والقطاعات والمباني بكفاءة واستدامة. ولاشك أنه يوجد العديد من التقنيات والخبرات وخيارات التمويل في متناولنا لتقليل مستوى الانبعاثات الكربونية الراهنة واغتنام الفوائد المستدامة لعقود قادمة.

المقالات ذات الصلة