حيادية الكربون هدف حتمي بعد الجائحة

Carbon

أشار المنتدى الاقتصادي العالمي الذي انعقد في شهر أبريل من العام الجاري إلى تحسن جودة الهواء حول العالم نتيجة إجراءات الإغلاق الشامل التي أقرتها الدول في محاولة منها لاحتواء تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد. ومع توجه معظم الناس إلى الحد من تنقلهم محلياً وعالمياً خلال غالبية أشهر السنة، وما تركه ذلك من أثر إيجابي على البيئة، برزت إلى الواجهة حجم القيمة الكامنة في دفع الشركات، وحتى الدول، إلى تبني ممارسات الاستدامة ومعايير حيادية الكربون. وبما لا يدع مجالاً للشك، تعتبر هذه المرحلة مثالية لاتخاذ خطوات جادة نحو التحول البيئي مع مضي العالم في جهوده الحثيثة للتكيف مع الواقع الجديد الذي فرضته الجائحة ومحاولاته الدؤوبة لتصور ما سيبدو عليه المستقبل بعد تخطيها.

وقد رأت دولة قطر في الإدارة البيئية عنصراً جوهرياً لتعزيز الاستدامة وأدرجته في برنامج “الرؤية الوطنية 2030”. فانطلاقاً من إدراكها لضرورة الارتقاء بمعايير الاستدامة، تعمل القيادة القطرية على تطبيق أجندة التحول نحو صداقة البيئة، عبر التشجيع على ترشيد استهلاك الموارد مثل الطاقة والمياه.

إن الفرصة سانحة اليوم للجميع دون استثناء، بدءاً بالشركات من مختلف الأحجام وميادين الأعمال إلى عمالقة القطاع الصناعي، لاغتنام القيمة الكامنة في تطبيق الإجراءات التي تساهم في بناء مستقبل أكثر استدامة لدولة قطر. وبما أن المزايا البيئية وإمكانات تحسين جودة الهواء هي حقيقة راسخة لا يمكن تجاهلها، ثمة فوائد مالية أخرى تعود بالتأكيد على الشركات عبر تبني ممارسات الاستدامة. فالأبنية والمرافق الصناعية التي تتسم بالكفاءة في استهلاك الطاقة تمتاز بكفاءة التكلفة أيضاً، ويبدو ذلك جلياً في انخفاض فواتيرها الخدمية. ويعتبر التحول في مجال الطاقة، أو التحول نحو شركة حيادية الكربون، مزيجاً من إجراءات الأداء المحسنة التي تحقق فوائد جمة للصالح العام وهو أمر جيد لأي شركة.

للوهلة الأولى، قد تبدو رحلة الوصول إلى حيادية الكربون طويلة وربما غير واقعية، إلا أن حقيقة الأمر تكمن في وفرة التقنيات الذكية في عالم اليوم، والتي تعتبر ركناً أساسياً في هذا المجال وتجعل من تحقيق حيادية الكربون أمراً أسهل مما مضى. وتعتبر “مجموعة إنجي” خير مثال على تحقيق ذلك، فقد نجحت خلال الأعوام الممتدة بين 2015 و2019 بتقليص انبعاثات ثنائي أوكسيد الكربون بنسبة 59%، وخفضت الانبعاثات الكربونية ضمن 93% من نشاطاتها، وضاعفت من إنتاج الطاقة الشمسية بمعدل ستة أضعاف، وعززت قدرتها على توليد الطاقة من الرياح بنسبة 20%، ورفع استطاعة طاقاتها المتجددة بمقدار 9 جيجاواط. ولم تنته رحلتنا بعد، إلا أن التقدم الذي أحرزنا لافت للغاية ويؤكد على إمكانية إجراء تحول تدريجي وصولاً إلى حيادية الكربون.

ونظراً لأن الصناعة تساهم بدور رئيسي في تحقيق طموحات التنويع الاقتصادي لدولة قطر، فمن الأهمية بمكان غرس معايير الاستدامة في القطاع الصناعي تزامناً مع نموه وازدهاره، لاسيّما أنه يستهلك كميات ضخمة من الطاقة الكهربائية والمياه. ومن هنا تأتي أهمية وضع تحويل المصانع نحو حيادية الكربون على رأس قائمة الأولويات.

يمثل تقليص استهلاك الطاقة محطة الانطلاق المثلى. وبالنظر إلى مناخ منطقة الشرق الأوسط، ليس من المستغرب أن الأبنية في دولة قطر تستهلك كميات كبيرة من الطاقة خصوصاً خلال أشهر الصيف الحارة. ويثقل ذلك كاهل قطاع الخدمات بتكلفة كبيرة، علاوة على الانبعاثات الكربونية الناجمة عن توليد الطاقة. وبما أن تكييف الهواء حلٌ لا يمكن الاستغناء عنه، إلا أنه من الممكن توظيف التقنيات الذكية في المرافق الحالية لتخفيض الانبعاثات عبر ممارسات إدارة الطاقة. ولا يقتصر الأمر هنا على مراقبة جودة الهواء ومواءمتها وتحسينها بالإضافة إلى استهلاك الطاقة، بل أن يساعد على تقديم أداء تشغيلي أفضل وتحسين عمل الأنظمة على المدى الطويل، لتتمكن الشركات من لمس الآثار الإيجابية على مستويات النفقات والبصمة الكربونية.

إن الخطوة الأولى نحو حيادية الكربون في متناول جميع الشركات بصرف النظر عن حجمها أو قطاع عملها، وينبغي لاتخاذ هذه الخطوة أن يشكل أولوية قصوى لتلك الشركات خلال الأشهر المقبلة. فقد أظهر الأثر العالمي لجائحة “كوفيد-19” حجم الفائدة التي تعود على البيئة عند تقليص الانبعاثات الكربونية. كما كشفت أننا كأفراد وشركات ومجتمعات قادرون على التحلي بالمرونة أكثر من أي وقت مضى. فقد تعلمنا دروساً هامة من الأحداث العصيبة التي شهدناها خلال العام 2020، لذلك يتعين علينا تطبيق هذه الدروس ضمن الخطط المستقبلية، فمهما كان عنوان المرحلة الجديدة، يتحتم علينا مراعاة البيئة في فترة ما بعد الجائحة العالمية. وفي نهاية المطاف، ستكون الفوائد في متناول الشركات وكوكبنا بأسره، لتعم الفائدة على الجميع عند بلوغ الهدف.

المقالات ذات الصلة