تطوير نماذج الأعمال المستدامة في قطاع الأغذية

banner-detail-food2

تشكل ظاهرة تغيّر المناخ واحدة من أبرز القضايا الملحة على الساحة العالمية، لا سيّما أن العوامل المتنوعة مثل الوعي البيئي المتزايد بين المستهلكين والعدد المتنامي من المبادرات الحكومية ذات الصلة بالاستدامة ومكافحة ظاهرة تغيّر المناخ تواصل فرض المزيد من الضغوط على مختلف القطاعات في سبيل اعتماد الممارسات المستدامة.

Ian Harfield, Managing Director, ENGIE Solutions

وينطبق هذا بشكل خاص على قطاع الأغذية والمشروبات؛ إذ يعتبر إنتاج الأغذية مسؤولاً عن ربع انبعاثات الغازات الدفيئة في العالم. وإن بقي الحال على ما هو عليه، سيواصل هذا الرقم اتجاهه التصاعدي المستمر بسبب التأثير المشترك لزيادة عدد السكان ونمو الطبقة الوسطى – حيث تستهلك الطبقات الأكثر ثراءً المزيد من الأغذية الحيوانية المرهقة للموارد. ووفقاً لبيانات المنتدى الاقتصادي العالمي، سيكون الطلب العالمي على الغذاء أكبر بنسبة 60% مما هو عليه اليوم بحلول عام 2050.

ولذلك، يجد قطاع الأغذية والمشروبات نفسه أمام حاجة ملحة للسيطرة على بصمته الكربونية وإيجاد الحلول الكفيلة بتقليصها على نحو ملموس. وتشير شركة “إنجي إمباكت”، ذراع استشارات الاستدامة التابعة لعملاق الطاقة “إنجي”، إلى أن حوالي 15% فقط من شركات الأغذية والمشروبات تسير على الطريق الصحيح نحو تحقيق أهداف الاستدامة التي حددتها.

Ian Harfield, Managing Director, ENGIE Solutions

وفي سبيل مواجهة التحديات التي تفرضها ظاهرة تغيّر المناخ على أنظمة الغذاء، شهدت المنطقة تنفيذ العديد من المبادرات التي تنسجم مع أهداف الاستدامة العالمية. وكانت الإمارات العربية المتحدة أول دولة في المنطقة تعلن عن تعهد يهدف إلى تحقيق الحياد المناخي وخفض انبعاثات الغازات الدفيئة إلى مستوى الصفر، وذلك قبيل انعقاد دورة عام 2021 من مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ (COP26). وعلاوة على ذلك، أبرمت الإمارات شراكة جديدة مع الولايات المتحدة الأمريكية لإطلاق مبادرة “الابتكار الزراعي للمناخ“، وهي مبادرة عالمية تهدف إلى تسريع تدفق الاستثمارات في أنشطة الأبحاث والتطوير التي تركز على التكنولوجيا الزراعية الذكية مناخياً.

وفي الآونة الأخيرة، تعهدت كل من المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين أيضاً بتحقيق الحياد الكربوني وخفض الانبعاثات الكربونية إلى مستوى الصفر بحلول عام 2060.

ونظراً لما يشكله هذا الأمر من ضرورة ملحة اليوم، تتجه المنطقة بشكل نشط نحو تبني أساليب زراعية مستدامة وذكية مناخياً والترويج لعادات الإنتاج والاستهلاك المستدامة. وتظهر الأبحاث أن 49% من المستهلكين حول العالم يأخذون باعتبارهم الجوانب ذات الصلة بالاستدامة عند شراء الأغذية والمشروبات.

ونجد أنفسنا هنا أمام سؤال جوهري؛ كيف يمكن لقطاع الأغذية تطوير نماذج أعمالها المستدامة؟

يشكل تحليل البيانات نقطة انطلاق مثالية لاستكشاف الإجابات المحتملة. فمن خلال استخدام البيانات التي تولدها شركات إنتاج الأغذية، يمكن استخدام أدوات تحليل البيانات لتحديد وتتبع المقاييس المتوافقة مع أهداف ومبادرات كل مؤسسة. وتسمح إمكانية الوصول إلى هذه المعلومات بتحسين مستويات إنتاجية الموارد.

وستكون المؤسسات قادرة على ضمان الالتزام بالميزانيات المحددة وتقييم التعديلات التي تطرأ على جانب العرض وتحديد الإجراءات المطلوب تنفيذها على جانب الطلب ومراقبة أداء المشروع لتتبع التقدم المحرز على مسار تحقيق أهدافها المحددة.

ومن ناحية ثانية، يتطلب تحقيق الاستدامة جهوداً تعاونية، وتلعب مسألة تفعيل مشاركة الشركاء عبر سلسلة التوريد دوراً محورياً في هذا الصدد. وبصرف النظر عن تحسين عمليات الإنتاج، يتعين على قطاع الأغذية والمشروبات أن يسعى لإزالة الكربون من عملياته الشاملة من خلال الانتقال إلى خيارات الطاقة الخضراء. ودون أدنى شك، ستؤدي مسألة تأمين مصادر موثوقة للطاقة، كالحلول الحرارية الشمسية وتوليد الطاقة في الموقع وغيرها، إلى تخفيض الانبعاثات الكربونية بشكل ملموس. وتظهر الأبحاث أن الشركات التي تعتمد على مصادر الطاقة الكهربائية المتجددة تتفوق على الشركات المنافسة على صعيد الأداء المالي، مع فارق يتراوح بين 0.3 وصولاً إلى أكثر من 7 نقاط مئوية.

وبالإضافة إلى ذلك، تبرز أيضاً إجراءات مثل تحويل أساطيل المركبات إلى وسائل نقل منخفضة البصمة الكربونية، والانتقال إلى تقنيات منخفضة البصمة الكربونية فيما يتعلق بسلاسل التوريد المبردة وتحسين مسارات النقل.

وتسهم مسألة تعديل وتجهيز المرافق القائمة في تحسين مستويات استهلاك الطاقة والمياه. ومن خلال دمج معايير وحلول كفاءة الطاقة في المصانع والمستودعات ومراكز المعالجة، يمكن للشركات المصنعة إطالة دورة حياة المصنع بصورة تتسم بالكفاءة من حيث التكلفة بالتوازي مع تحقيق أهداف إزالة الكربون المحددة.

التعهيد

يمكن أن تستحوذ مسألة تحقيق أهداف الاستدامة حتى على شركات الأغذية والمشروبات العملاقة التي تتمتع بموارد جيدة وتفضل التركيز على أعمالها الأساسية. وتمكّن مسألة تعهيد خدمات إدارة الطاقة لشركات متخصصة الشركات المصنعة للأغذية من تعزيز أدائها الاقتصادي من خلال الاعتماد على مزودي الخدمات من الأطراف الثالثة للحصول على إمدادات موثوقة من الطاقة وإدارة مشاريع متعددة التقنيات وفرض رقابة صارمة على التكاليف التشغيلية.

والأهم من ذلك، يمكن لشركات إدارة الطاقة استخدام أدوات تحليلية متخصصة لتحديد المجالات القابلة للتحسين وتحليل اتجاهات استهلاك الطاقة وتقديم المشورة بشأن شراء الطاقة والكهرباء والغاز بالإضافة إلى تحسين أداء الطاقة.

ومن بين الأمثلة على الخدمات القابلة للتعهيد تبرز الحلول المخصصة والممولة التي تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة من أجل تخفيض البصمة الكربونية. وفي هذه الحالة، يدفع العملاء أموالهم فقط مقابل الطاقة المستهلكة، بينما تتولى شركة خدمات الطاقة الجوانب المتعلقة بالاستثمارات الرأسمالية. ويتم نقل جميع المخاطر المرتبطة بالهندسة والمشتريات والبناء وأداء الطاقة إلى عاتق مزود خدمات الطاقة.

ويتمثل أحد النماذج المستدامة الأخرى بتوليد الطاقة في الموقع، ولا سيما الطاقة الشمسية، الأمر الذي يلغي الحاجة إلى نقل الطاقة لمسافات طويلة ويقلل بشكل كبير الأعباء المرتبطة بتكاليف وخسائر الطاقة. ويتم تقديم هذه الخدمات بالتوازي مع الخدمات التقليدية، بما في ذلك خدمات الإنتاج والتوزيع المحسنة للمياه الساخنة/ الباردة/ المثلجة والهواء المضغوط وضواغط البخار والغاز الصناعي وما إلى ذلك، بالإضافة إلى مرافق العمليات مثل التبريد، وبيئة العمليات (مثل خدمات التدفئة والتهوية وتكييف الهواء)، وأنظمة استرداد الحرارة وغيرها الكثير.

التكنولوجيا

تمثل التكنولوجيا محركاً رئيسياً لتحقيق الاستدامة في ضوء وجود العديد من الفرص الرقمية لتحسين أداء العمليات وتقليص التكاليف. وقد أدى هذا الأمر إلى زيادة مستويات الطلب على توافر البيانات واستخدامها بكفاءة كما يظهر من خلال زيادة عدد التطبيقات المستخدمة.

وفي ضوء التدقيق المتزايد على مصادر الغذاء، باتت إمكانية التتبع اليوم تمثل أحد الاتجاهات المهمة على مستوى قطاع الأغذية. وتعني إمكانية التتبع القدرة على متابعة حركة منتج غذائي ما ومكوناته عبر جميع المراحل في سلسلة التوريد، في كلا الاتجاهين. وظهرت تكنولوجيا التعاملات الرقمية “بلوك تشين” على الساحة كتقنية قوية وفعالة تسمح للمستهلكين بتتبع طعامهم “من المزرعة إلى الطبق” بسهولة عبر مسح رمز الاستجابة السريعة.

وعلاوة على ذلك، ساهمت مطالب الحد من الهدر الغذائي في ظهور تطبيقات مثل “تو جود تو جو” (TooGoodToGo) و”فينكس” (Phenix) و”كارما” (Karma) التي تربط المستهلكين بفائض المنتجات الغذائية في المطاعم والمخابز ومتاجر البقالة المحلية التي تبيع هذه المنتجات مقابل جزء بسيط من سعرها.

وفي ظل تصاعد النقاشات العالمية بشأن تغير المناخ اليوم، تزداد حدة الأصوات المطالبة بتخفيض استهلاك الطاقة والمياه وتقليص مستويات انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون. ولن تكون الشركات الكبرى في قطاع الأغذية بمعزل عن الصعوبات والتحديات التي تفرضها مسألة الحفاظ على استراتيجية متماسكة لإزالة الكربون أثناء سعيها لتحقيق أهداف أعمالها الأساسية. ولكن يمكن لشركات خدمات الطاقة من أمثال “إنجي سوليوشنز” ردم هذه الفجوة من خلال سجلها الحافل بالإنجازات على صعيد تقديم خدمات تخفيض استهلاك الطاقة للعملاء مقابل تكاليف أقل بكثير.

المقالات ذات الصلة